أبي حيان الأندلسي

239

البحر المحيط في التفسير

يباشر عليها ، ولا تعكسوا ، والمراد وجوب توطئ النفوس وربط القلوب على أن جميع أفعال اللّه حكمة وصواب من غير اختلاج شبهة ، ولا اعتراض شك في ذلك ، حتى لا يسأل عنه لما في السؤال من الاتهام بمفارقة الشك لا يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْئَلُونَ « 1 » . انتهى كلامه . وحكى هذا القول مختصرا ابن عطية ، فقال : وقال غير أبي عبيدة : ليس البرّ أن تشذوا في الأسئلة عن الأهلة وغيرها ، فتأتون الأمور على غير ما تحب الشرائع ، أنه كنى بالبيوت عن النساء ، الإيواء اليهنّ كالإيواء إلى البيوت ، ومعناه : لا تأتوا النساء من حيث لا يحل من ظهورهنّ ، وآتوهنّ من حيث يحل من قبلهنّ . قاله ابن زيد ، وحكاه مكي ، والمهدوي عن ابن الأنباري . وقال ابن عطية : كونه في جماع النساء بعيد مغير نمط الكلام ، انتهى . والباء في : بان تأتوا زائدة في خبر ليس ، وبأن تأتوا ، خبر ليس ، ويتقدّر بمصدر ، وهو من الإخبار بالمعنى عن المعنى ، وبالأعرف عما دونه في التعريف ، لأن : أن وصلتها ، عندهم بمنزلة الضمير . وقرأ ابن كثير ، وابن عامر ، والكسائي ، وقالون ، وعباس ، عن أبي عمرو ؛ والعجلي عن حمزة ؛ والشموني عن الأعشى ، عن أبي بكر : البيوت ، بالكسر حيث وقع ذلك لمناسبة الياء ، والأصل هو الضم لأنه على وزن فعول ، وبه قرأ باقي السبعة و : من ، متعلقة : بتأتوا ، وهي لابتداء الغاية ، والضمير في : أبوابها ، عائد على البيوت . وعاد كضمير المؤنث الواحدة ، لأن البيوت جمع كثرة ، وجمع المؤنث الذي لا يعقل فرق فيه بين قليله وكثيره ، فالأفصح في قليله أن يجمع الضمير ، والأفصح في كثيره أن يفرد . كهو في ضمير المؤنث الواحدة ، ويجوز العكس . وأما جمع المؤنث الذي يعقل فلم تفرق العرب بين قليله وكثيره ، والأفصح أن يجمع الضمير . ولذلك جاء في القرآن : هُنَّ لِباسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِباسٌ لَهُنَّ « 2 » ونحوه ، ويجوز أن يعود كما يعود على المؤنث الواحد وهو فصيح . وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقى التأويلات التي في قوله : وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ « 3 » سائغة

--> ( 1 ) سورة الأنبياء : 21 / 23 . ( 2 ) سورة البقرة : 2 / 186 . ( 3 ) سورة البقرة : 2 / 177 .